محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )

46

قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق

--> - تذكر وتظهر فيما بعد أن شاء اللّه تعالى . فمن ذلك : إن المقام لا يحصل غالبا إلا بعد ضرب من التمحيص والتنبيه على ارتكاب أعمال يكون لها مدخل في حصول المقام ، وتكون شروطا في التحقّق به ، وبعض تلك الأعمال أكثرها يثمر أحوالا بعضها ناتج عن بعض ومعد للتلبّس بالبعض الآخر . ثم يحصل فيما بينهما وبين ما ينتجه من الأحوال امتزاج وتمحص يوجبهما الطوارئ الخارجية من الأمور الكونية والخواطر المنبعثة من الباطن بموجب العقائد السابقة والصفات الغالبة ؛ وتتولد الحالة الثانية المقامية من بين ذلك كله ؛ فيتصل بتلك الحالة حكم علم صاحبها وذوقه السابق ؛ إن كان قد سبق له ذوق كلّيّ أصليّ ؛ وإن لم يسبق له ذلك فحكم اعتقاده السابق في ذلك ما قلناه ؛ فنتجلّى به نفسه تارة علما فحسب ، وتارة علما واستحضارا وقتا دون وقت ، وتارة يقوى حكم ذلك المقام فيه ؛ فيصير وصفا لازما محكوما بالنسبة إلى لمن قدّر له التجاوز عن ذلك المقام مثلا أو عن سائرها . وأما من لم يكن بهذه المثابة ؛ فإن حكم المقام ووصفه يتملكانه من حيث معرفة الأمر المستلزم لاستحضاره والتلبّس به تعشّقا واعتقاد أنه الغاية ؛ فلا يبرح فيه ويكون محكوم المقام لا حاكما عليه ؛ بخلاف القسم الأول العالي ، فإن كل من كان من أهله يستجلب الحال المستلزم للتلبّس بحكم المقام متى شاء ببعض جواذبه ولوازمه ، وكذلك يتحرّز من حكم المقام وينسلخ من أوصافه إذا شاء دون انحصار فيه ، أو في غيره من المقامات أيضا ؛ إن كان من الأفراد والكمّل مع التمكّن من التلبّس بما شاء منها والاستجلاب له بسببه أو أسبابه ؛ إن كانت له أسباب متعددة ، وهذا حال الأكابر . وأما من دونهم فينحصر في مقام أو مقامات معينة لا يمكنه الانسلاخ عنها وعن أحكامها والأحوال الخصيصة بها ؛ لعجزه عن التعدي ، أو لاعتقاده أيضا أن ليس وراء ما هو فيه أمر يختار التجاوز من هذا إليه أو الطلب له أو الاستشراف عليه ، وهذا الوصف والحكم يصدق على ما عدا الكمّل والأفراد ، وإن عدّ أهله من المحققين . وموجب ذلك سرّان إلهيان : أحدهما : استجلاء الحاصل ، والارتواء بنتائجه ، والاقتناع بثمراته كما مر . والسر الآخر : هو حكم مناسبة ذاتية أو صفاتية توجب سكينة وطمأنينة ؛ لو لاهما لم ينقطع تشوّق سالك عن طلب المزيد ، والرقي إلى ما وراء الحاصل ، ولو كان ذلك ؛ لم تنعمر المراتب والمقامات بأربابها ، ولا استمر سلوك الجميع نحو ذروة الكمال ، وتعطّلت حالتئذ أحكام الأسماء والصفات الإلهية ، وخلت المراتب الإلهية والكونية من أهليهما ، ولم ينتظم أمر الوجود ، ولا ارتبط بعضه ببعض ، ولا ظهر سر الجميع والتمييز والتفاوت والخلاف والاختصاص والمناسبات . وسر اختلاف الأمزجة والأرواح والأوقات الظاهر أحكام جميعها بحسب الأسماء والصفات ؛ المتعينة من الشؤون الذاتية الإلهية المعبّر عنها عند بعضهم ب « الممكنات » . فالأمر ظاهر التنوع على الدوام ؛ والتنوع من الظاهر الواحد الأحد بحسب أحكام المراتب التي -